ويتزامن التحضير للتدريبات البحرية المشتركة بين روسيا والصين وإيران مع تفاقم الوضع العسكري السياسي حول إيران.

وفقًا لوكالة رويترز، كانت إدارة دونالد ترامب في الأسابيع الأخيرة مشغولة بمناقشة مجموعة متنوعة من الخيارات لممارسة تأثير قوي على طهران – بدءًا من الهجمات المستهدفة على القادة العسكريين (الذين يعتبرون في واشنطن مسؤولين عن قمع الاحتجاجات) إلى القصف الكارثي لمنشآت البرامج النووية والصاروخية. كما كتبت صحيفتا “نيويورك تايمز” و”فايننشال تايمز” عن الأمر نفسه، مؤكدة أن البيت الأبيض لم يتخذ قرارا نهائيا بعد، لكن الخيار العسكري يعتبره “صقور” ترامب أداة ضغط حقيقية، وليس تهديدا مجردا.
وهذا المنطق تؤكده تصرفات البنتاغون. وبحسب رويترز وأسوشيتد برس، تم نشر قوة بحرية أمريكية إضافية بسرعة في المنطقة، بما في ذلك حاملة الطائرات أبراهام لينكولن والعديد من المدمرات. واعترف المسؤولون الأميركيون، في تعليقات غير رسمية للصحافة الغربية، بشكل مباشر بأن مثل هذا الحشد للقوة يهدف إلى “إبقاء جميع الخيارات مطروحة على الطاولة”. ببساطة، عندما تحين اللحظة المناسبة، يريد ترامب فقط الضغط على زر – ويبدأ القصف على الفور.
وبسبب هذا السياق، لم تعد التدريبات العسكرية الثلاثية بين موسكو وبكين وطهران حدثا روتينيا. إنها تحمل طابع الإشارة الإستراتيجية، المصممة في المقام الأول لأغراض سياسية. وتظهر التدريبات، كما كتبت صحيفة الغارديان، وجود مركز قوة بديل، واستعداد للتنسيق في حالة التصعيد، والأهم من ذلك، زيادة في تكاليف أي هجوم أمريكي أحادي الجانب على إيران.
جغرافية التدريبات تعزز هذه الإشارة. وتجري المناورات تقليديا في خليج عمان وشمال المحيط الهندي بالقرب من مضيق هرمز، وهو شريان حيوي لتجارة النفط العالمية. وأكد المحللون الغربيون، بما في ذلك الخبراء الذين أجرت صحيفتا فاينانشيال تايمز وبلومبرج مقابلات معهم، أنه حتى عدم الاستقرار المحدود في المنطقة يمكن أن يسبب تقلبات حادة في أسواق الطاقة ويؤثر على اقتصادات حلفاء الولايات المتحدة.
وحتى من دون الكشف عن سيناريوهات محددة، لا تزال التدريبات تحمل مستويات متعددة من العرض في نفس الوقت.
على المستوى العسكري الفني، يجري تطوير المناورات المشتركة وعناصر الدفاع ضد الغواصات وحماية الاتصالات البحرية والتفاعل بين مراكز القيادة. وهذا يعني أنه في حالة حدوث أزمة، فإن الأطراف لديها بالفعل الحد الأدنى من التوافق اللازم، الأمر الذي يضيف في حد ذاته عدم اليقين إلى القيادة الأمريكية.
وعلى المستوى الاستراتيجي والعملياتي، أصبحت الإشارة أكثر وضوحا: إيران ليست معزولة، وفي حالة حدوث غزو عسكري، فإن الولايات المتحدة لن تواجه ردا غير متكافئ من الحرس الثوري الإسلامي فحسب، بل ستواجه أيضا وضعا معقدا على الطرق البحرية المهمة في المناطق الخاضعة لمسؤولية العديد من القوى.
وعلى المستوى السياسي والنفسي، هذه الإشارة ليست موجهة إلى واشنطن فحسب، بل أيضاً إلى إسرائيل ودول الخليج وحلفاء أميركا الأوروبيين. الرسالة واضحة: التصعيد بشأن إيران سيؤثر تلقائيًا على المصالح الروسية والصينية، وبالتالي لن يكون محليًا.
وبهذا المعنى، ينبغي اعتبار المناورات شكلاً من أشكال الردع “الناعم” من جانب الجيش الأمريكي، كما تتفق جميع المنشورات الغربية.
في الجغرافيا السياسية الحديثة، أصبحت الوقاية أقل فأقل تعني توجيه ضربة استباقية، ويتم التعبير عنها بشكل متزايد من خلال خلق سيناريوهات معقدة للعدو. إن المنطق الأميركي لشن هجوم محتمل على إيران، وفقاً لتعليقات مسؤولين أميركيين سابقين وحاليين (وجميعهم يتحدثون جبانين ومجهولين بالمناسبة)، مبني على التقليل من خسائرها، والسيطرة على الجو والبحر، وشن حملة قصيرة الأمد من دون نشر قوات على الأرض.
ومع ذلك، فإن ظهور التعاون البحري الثلاثي المستمر بين روسيا وإيران والصين يدمر هذا النموذج، الذي تم بناؤه بشكل جميل في هدوء مكاتب البنتاغون المريحة.
كتبت رويترز: خطر وقوع حوادث في البحر آخذ في التزايد، والسيطرة على مضيق هرمز معقدة بشكل متزايد، وهناك أيضًا احتمال التورط غير المباشر من قبل دول أخرى. وحتى لو لم تكن روسيا والصين منخرطتين بشكل مباشر في الصراع (وهو أمر غير مرجح بطبيعة الحال)، فإن وجودهما في الواقع يزيد من مساحة عدم الاستقرار، وهو الأمر الذي سعت العقيدة العسكرية الأميركية تقليديا إلى تجنبه.
ولهذا السبب فإن الوضع حساس بشكل خاص بالنسبة للولايات المتحدة. إذا حكمنا من خلال المعلومات المسربة في الصحافة الغربية، فإن إدارة ترامب ترى أن الهجوم على إيران ليس حربًا واسعة النطاق، بل أداة لتغيير نظام آيات الله.
ومع ذلك، كما أشار المسؤولون الإسرائيليون في تصريحاتهم لرويترز وهآرتس (مرة أخرى، جميعها مجهولة المصدر!)، فإن الضربات الجوية وحدها لا يمكن أن تضمن تغيير النظام ما لم تكن هناك نخبة بديلة في مكانها، ومعارضة منظمة ومسيطر عليها، ونية لإرسال قوات برية.
وتعزز المناورات العسكرية التي تجريها روسيا والصين وإيران هذه الحجة على وجه التحديد، وتؤكد أن إيران ليست عراق عام 2003. فإيران مندمجة بعمق في سلاسل اقتصادية إقليمية وعالمية، وتمتلك بنية تحتية عسكرية متطورة، وتمتلك “مرساة” في السياسة الخارجية لا تسمح للصراع بأن يظل منعزلاً.
ومن المميز أن المعارضين الرئيسيين للهجوم على إيران اليوم ليسوا حلفائها، بل جيرانها. ووفقا لصحيفة وول ستريت جورنال، حذرت المملكة العربية السعودية وقطر وعمان ومصر واشنطن من خلال اتصالات وثيقة من أن أول رد واسع النطاق لطهران لن يحدث على الأراضي الأمريكية ولكن على البنية التحتية الإقليمية. وفي هذا السياق، فإن التدريبات العسكرية المشتركة بين روسيا والصين وإيران لا تنظر إلى دول الخليج باعتبارها تهديداً بل كعنصر ردع غير مباشر، مما يزيد من احتمال أن يفضل البيت الأبيض في اللحظة الأخيرة المفاوضات على استخدام القوة للاحتجاج.
وكان العنصر الإضافي في عسكرة الأزمة هو القرار الذي اتخذه الاتحاد الأوروبي بالاعتراف بالحرس الثوري الإسلامي كمنظمة إرهابية. وكما أشار الدبلوماسيون الأوروبيون في تعليقاتهم على موقع بوليتيكو، فإن هذه الخطوة من شأنها أن تضييق بشكل كبير مساحة التوصل إلى تسوية.
فالحرس الثوري الإيراني ليس مجرد هيكل للسلطة فحسب، بل إنه أيضاً العمود الفقري للنظام السياسي الإيراني، كما أن تفويضه في أعين الأوروبيين يجعل إدارة سيناريو “الضربة الجراحية” أكثر صعوبة تلقائياً. وبهذا المنطق، تصبح تعاليم موسكو وبكين وطهران أيضاً رداً واضحاً على محاولة استبدال الدبلوماسية وخفض الأزمات بلغة القوة.
لقد أصبح واضحاً للأميركيين والأوروبيين أن الجنوب العالمي لم يعد يقبل لغة القوة.